ماكرون .. أم لوبان ؟


المصدر الاهرام - د. جمال زهران - قضايا و آراء

دروس جديدة فى الديمقراطية وتداول السلطة، تأتى من باريس 2017، تلك الدولة التى تفجرت فيها الثورة الفرنسية 1789، وحكمها نابليون بونابرت الذى غزا أوروبا كلها،فى بداية القرن التاسع عشر، وحكمها أيضا شارل ديجول الذى أسس الجمهورية الخامسة، ورفض أن يستمر رئيسا لحصوله على أغلبية بسيطة، ما كان قد توقعها ليتوالى الحكام عليها حتى آخر رئيسين (ساركوزى ـ أولاند)، لم يتحملهما المجتمع الفرنسى أكثر من مدة واحدة (خمس سنوات)، على غير ما هو معتاد غالبا بأن يظل الرئيس الفرنسى مدتين متتاليتين، وكانت آنذاك المدة (7) سنوات ، وأصبحت (5) سنوات فقط بتعديل دستورى منذ أكثر من عشر سنوات، الأمر الذى يعكس أن المجتمع يلفظ الرئيس بسرعة طالما أصبح غير قادر على ترجمة طموحات الشعب الذى انتخبه من أجل تحقيقها وفقا لما أعلنه، فكيف يعطى له فرصة أخرى ويتحمله بدون داع، وبما ينعكس على المصلحة المباشرة للمواطنين ومكانة فرنسا بالسلب؟ 
فالشعب الفرنسى الذى كان يتحمل رئيسا لمدتين متتاليتين (7 سنوات *2) بإجمالى (14) عاما، لم يعد يتحمل رئيسا (5 سنوات)، وهى ظاهرة تحتاج إلى دراسة وبحث جادين، ولكن الشعب يساعدنا فى التفسير، لمن يريد أن يبذل جهدا فى التحليل السياسى العميق، فقد أزاح فى الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية ـ التى انتهت من أيام، وعلى وشك الجولة الثانية خلال أيام أيضا ـ رمزى أكبر حزبين (الاشتراكيين والجمهوريين)، أى أسقط مرشحى الحزبين الكبيرين فى الجولة الأولى لأن الشعب الفرنسى على ما يبدو أضحى متشككا فى هذين الحزبين بعد أن أعطى الفرصة لكل منهما لمدة (5) سنوات ليحكم فرنسا، ولم ينجحا فى خدمة الشعب والدولة الفرنسية. 
ولذلك قرر أن يعطيهما الدرس الواضح ويسحب ثقته منهما معا وبصورة بدت وكأنها فجائية، إلا أنها ليست كذلك، فلو انتبه كل من الحزبين إلى قرار الشعب فى التصويتين السابقين لأدرك أن الشعب الفرنسى يلفظهما تدريجيا عندما اكتفى لكل منهما بمدة واحدة على عكس ما كان سائدا فى السلوك الانتخابى للشعب الفرنسى، الذى كان يتجه نحو انتخاب الرئيس لمدة أخرى لاستكمال ما وعد به فى برنامجه الانتخابى الذى بدأه بالفعل فى المدة الأولى، وذلك على عكس السياسيين الجدد، الذين يكتفون بالكلام دون الأفعال، فكان العقاب الشعبى هو الحل، لعلهم يفهمون الدرس!! 
وكانت نتيجة المرحلة الأولى فى انتخابات الرئاسة فوز كل من ماكرون (39 سنة)، والمرشحة لوبان (48 سنة)، وكلاهما له برنامج انتخابى واضح أمام الشعب الفرنسى، وليس أمامنا نحن!! وليس معنى حصول ماكرون على نسبة أعلى بفارق نحو 1.5%، أنه سيكسب الجولة الثانية من الانتخابات ورغم التحالفات الانتخابية، بالانحياز والاتفاق مع «ماكرون»، أن يميل التصويت الشعبى له وضمان نجاحه ورغم التعبئة الإصلاحية المنحازة لماكرون للتخلص من السيدة «لوبان»، كل حسب مصلحته وانحيازاته، فان الشعب كما هو واضح ربما لا يتأثر، كما لم يتأثر فى الجولة الأولى، لأنه يدرك أن الإعلام موجه بالغرض، وموجه بالمال، وموجه بالمصالح الشخصية، ولابد من كسر شوكته!! كما أن أجهزة قياسات الرأى العام فى الانتخابات الفرنسية بدأت بالإفصاح عن نواياها المشبوهة بإعلان انحياز الأغلبية لماكرون بنسبة 60%، مقابل 40% للوبان!! لدفع الناخبين إلى هذه النتيجة!! فهل استوعب الجميع ما حدث فى الجولة الأولى، قرار الشعب الفرنسى، بالاطاحة بالجميع الذى كان يحظى بأغلبية مراكز استطلاع الرأى، وبرامج التوك شو الفرنسى، والإعلام الصحفى، ليضع متنافسين فقط فى المواجهة ليلتقط الأنفاس لاختيار أحدهما فى الجولة الثانية، بعد ازاحة كل الوجوه القديمة بايديولوجيتها العقيمة ورموزها التقليديين الذين لم يحققوا ما تصبو اليه فرنسا الدولة والشعب. 
وكما كانت المفاجأة فى الجولة الأولى، فالأرجح أن تكون المفاجأة الثانية هى الدفع بالسيدة لوبان لحكم فرنسا لتكتمل منظومة أقوى ثلاث سيدات يحكمن أوروبا (ميركل فى ألمانيا، وتيريزا فى بريطانيا، ولوبان فى فرنسا) وقد أوضحت لوبان، رؤيتها وموقفها ضد الإرهاب المتأسلم، وضد جماعة الإخوان الإرهابية، ومع احترام ارادة الشعب الفرنسى فى اختيار استمراره فى الاتحاد الأوروبى والانسحاب كبريطانيا، وباعتبارها مصرية الأصول فى الجدة وعاشت فى الإسكندرية، فقد أعلنت مساندتها لمصر ضد الإرهاب، فهل تأتى المفاجأة الثانية بانتخاب السيدة لوبان ببرنامجها الواضح والمنشود ضد الإرهاب وفرنسا العظمى؟ ربما ولو تذكرون كيف فاز ترامب فى أمريكا وتوقعناه مبكرا، لتصورنا احتمالية حدوث المفاجأة وهى على بعد أيام. 






اقرأ أيضاً :

========





تعليقات

المشاركات الشائعة