تركيا .. «الجريمة والعقاب»


المصدر الاهرام - شريف سمير

اصطدم النظام التركى العنيد بموجة عاتية عندما تورط فى إسقاط طائرة روسية فوق الحدود التركية السورية، لتخرج الحادثة عن كونها انتهاكا لسيادة الأراضى، وتتحول إلى "مصيدة" وضعها الدب الروسى لاستغلال "خطأ إردوغان القاتل" وتوجيه ضربة مكلفة سياسيا واقتصاديا أول ما تهدده هو البيت التركى الكبير، الذى بذل الإسلاميون عمرا كاملا فى تشييده!هكذا تدهورت العلاقات بين صديقى الأمس، ومن واقع التحالف الاستراتيجى بينهما، يدرك الروس مدى أهمية الشمال السورى لطموحات تركيا التى تحاول اجتزاءها كمنطقة عازلة، وتستفيد منها فى تهريب النفط والغاز عند الشريط الحدودى التركى السوري، إلا أن الثمن الاقتصادى هو الخيار الروسى المفضل بالدرجة الأولى مقارنة بالخسائر السياسية، وبالتالى جاءت الضربة الأهم فى صورة إجراءات "عقابية وانتقامية" أصدرها الرئيس الروسى فلاديمير بوتين ردا على عملية الطائرة وشملت منع الأتراك من دخول موسكو بحلول العام الجديد وقطع الرحلات السياحية والتجارية بين البلدين وصولا إلى إلغاء مشروعات مشتركة بين موسكو وأنقرة، وما قد ينجم عن ذلك من فقدان الشركات التركية حصتها فى السوق الروسية. وتستمد تركيا مايقرب من 75% من استهلاك الطاقة من مصادر خارجية، منها 20% مصدرها روسيا وحدها، وكان من المقرر أن تبدأ شركة "آتومستر ويإكسبورت" الروسية بناء أول محطة نووية فى تركيا العام المقبل، ضمن مشروع "أككويو" النووى الذى تقدر قيمته بأكثر من 22 مليار دولار، ويتضمن بناء 4 مفاعلات بقدرة 1200 ميجاوات، وهو المشروع الذى يقفز بتركيا نحو مرتبة متقدمة وغير مسبوقة فى النادى النووى، ويبدو أن الحلم ضل طريقه نحو التأجيل أو نفس مصير الطائرة الروسية! كما تجمع بين البلدين شراكة فى خط أنابيب رئيسى جديد للغاز الطبيعى والمعروف باسم "ساوث ستريم"، والذى يعتبر ذا أهمية استراتيجية بالنسبة للبلدين، وتبلغ قيمته 16 مليار دولار، وتبلغ القدرة التمريرية له نحو 63 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، وهو من أهم الخطط الاستثمارية المهددة بالإيقاف.
ويعد قطاع الطاقة - المتمثل بشكل أساسى فى الغاز الطبيعى - هو إلى حد كبير الأكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بالتجارة بين روسيا وتركيا، فروسيا هى أكبر مصدر أجنبى لتركيا من الغاز الطبيعي، ووفرت روسيا 55% - حوالى 27 مليار متر مكعب - من احتياجات استهلاك الغاز الطبيعى التركية فى عام 2014، وفى المقابل تذهب 13% فقط من صادرات الغاز الطبيعى الروسية إلى السوق التركية.
وتعود العلاقات التجارية بين روسيا وتركيا إلى القرن السادس عشر عندما تدفقت التجارة بشكل منتظم بين اسطنبول وموسكو، وتوج التحالف بزيارة بوتين إلى أنقرة عام 2004 فى أول زيارة لرئيس روسى منذ أكثر من 3 عقود، حتى تاريخ 23 سبتمبر الماضى حينما زار إردوغان موسكو لافتتاح مسجد جديد، وتوقع أن تنمو التجارة البينية بين البلدين لتصل إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020، وظلت الأمانى التركية ممكنة حتى لحظة تفجير الطائرة الروسية لتظل معلقة فى الهواء عرضة للسقوط والضياع.
وحول ملف السياحة، بلغ عدد السياح الروس الذين قصدوا تركيا فى عام 2014 نحو 4.38 ملايين شخص، وذلك من أصل 42 مليون سائح، منحوا الاقتصاد التركى 36 مليار دولار، علما بأن السياح الروس يحتلون المرتبة الثانية بعد ألمانيا فى القائمة التركية، لتسود توقعات بوقوع خسائر بمليارات الدولارات فى حالة استمرار توقف حركة السياحة الروسية حتى بداية ذروة الموسم فى نهاية الربيع المقبل.
وإذا كانت الخسارة التركية مطروحة بقوة أمام الجميع، خصوصا مع ما أعلنه أعضاء فى حزب "الشعب الجمهوري" التركى المعارض بأن حجم خسائر أنقرة جراء القيود الروسية قد يصل إلى نحو 20 مليار دولار، وبما يعادل 3% من حجم الناتج المحلى للبلاد، فثمة أحاديث وتحليلات تتردد عن تكلفة مماثلة قد تتحملها الكفة الروسية فى حالة قطع العلاقات وتوسيع الفجوة مع الجانب التركى، إذ أنه بالنظر إلى الميزان التجارى بين البلدين، فإن الخسارة الروسية ستكون قاسية بالمثل ليتأثر الاقتصاد الروسي، حيث تميل الكفة فى حجم التبادل التجارى - الذى يبلغ حوالى 32 مليار دولار- إلى روسيا، التى تصدر مايقارب الـ 21 مليارا إلى تركيا، خصوصا من الغاز.
وتعد تركيا أكبر خامس شريك تجارى لروسيا بحصة تبلغ 4.6% من إجمالى التجارة الخارجية الروسية، وذلك وفقا لبيانات إدارة الجمارك الروسية للفترة ما بين يناير وسبتمبر الماضيين، وتقدر قيمة العقود التجارية الموقعة بين "حليفى الماضى" حتى نهاية 2014، بحوالى 44 مليار دولار.
وحذر فلاديسلاف أينوزيمتسيف، مدير مركز دراسات المجتمعات ما بعد الصناعية فى موسكو، من تداعيات أى "قرارات روسية متهورة" لن تضر تركيا فحسب، بل سيرتد السهم إلى صدر موسكو ليضرب اقتصادها فى مقتل، فيما قال البروفيسور ستانيسلاف تكاجينكو، أستاذ العلاقات الدولية فى جامعة "سان بطرسبورج" الحكومية، إن الاقتصاد الروسى غير قادر على استبدال الصادرات التركية، نظرا لأن بنية التجارة بين البلدين، تعود بالربح على الاقتصاد الروسى أكثر من نظيره التركي.
وإذا كانت روسيا تمارس ضغطها بأوراق المال والاقتصاد، فالبوصلة التركية تتجه إلى سلاح الدبلوماسية معتمدة على مساندة أوروبا وأمريكا لموقفها الأخير، وإقناع العالم بأن مشهد الطائرة المحترقة ليس أكثر من مجرد "دفاع عن النفس" ولايستدعى كل هذه الضجة والانصراف عن "إرهاب داعش" باعتباره العدو الحقيقى الذى يستحق كل الانتباه والحشد. لقد بدأت المباراة الصعبة بين روسيا وتركيا المرتبطتين بعلاقات ممتدة إلى 5 قرون مضت، وتشابكت أحداثها مع منطق الأديب الروسى العالمى ديستوفسكى فى رائعته "الجريمة والعقاب"، فالجريمة واحدة متمثلة فى سقوط الطائرة، بينما العقاب هو الكرة المشتعلة بين الطرفين، وكل طرف يتمسك بأسلوبه وفلسفته فى تطبيق هذا العقاب والتلويح به فى وجه الآخر وفقا للغة المحترفين وشروط اللعبة .. ولايزال الشوط الأخير من المباراة – وهو الأكثر إثارة من الجريمة ذاتها – مفتوحا ولن يحسمه سوى الطرف القادر على التعاطى بذكاء مع قواعد اللعبة وامتلاك مفاتيح الخصم، ليكون النصر إما للدهاء .. أو العناد!.






اقرأ أيضاً :

=======


روسيا تفضح تركيا «بالأقمار الصناعية» وتتهم أردوغان وأسرته بالتجارة مع داعش

داعية سلفى يصف مؤيدي "بوتين" ضد تركيا بالكفار و المنفاقين

كاتب أمريكي : واشنطن أسقطت الطائرة الروسية لاكتشاف سر "السلاح العجيب" 

"أردوغان حرامى النفط" الأكثر تداولا على تويتر

تعليقات

المشاركات الشائعة